القرطبي
317
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ( 12 ) قوله تعالى : ( وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه ) قيل : المراد بالانسان هنا الكافر ، قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك ، تصيبه البأساء والشدة ( 1 ) والجهد . " دعانا لجنبه " أي على جنبه مضطجعا . ( أو قاعدا أو قائما ) وإنما أراد جميع حالاته ، لان الانسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة . قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الامر ، فهو يدعو أكثر ، واجتهاده أشد ، ثم القاعد ثم القائم . ( فلما كشفنا عنه ضره مر ) أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ . قلت : وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين ، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي ، فالآية تعم الكافر وغيره . ( كأن لم يدعنا ) قال الأخفش : هي " كأن " الثقيلة خففت ، والمعنى كأنه وأنشد : وي كأن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعش عيش ضر ( 2 ) ( كذلك زين ) أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والاعراض عند الرخاء . ( زين للمسرفين ) أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي . وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر . قوله تعالى : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ( 13 ) قوله تعالى : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم . ( لما ظلموا ) أي كفروا وأشركوا . ( وجاء تهم رسلهم بالبينات )
--> ( 1 ) في ع : الضراء . ( 2 ) البيت لزيد بن عمر بن نفيل فراجعه في خزانة الأدب في الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة .